الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
216
نفحات القرآن
في الاطُر المادية ، فهي تُظهر أيضاً عدم وجود أيّة محدوية في أيٍّ من الجانبين . وبتعبير آخر إنّ اللَّه يهب الإنسان القدرة التي تجعل من إرادته سبباً لحصول أيّة نعمة ، خلافاً لما عليه الحال في الدنيا إذ إنّ إرادة الإنسان فيها تابعة لوجود الأسباب وتوفّر العوامل ، فعندما يرغب الإنسان في التجوال في روضة أو بُستان ولا يكون الجو معتدلًا ولا الأشجار يانعة ، فإرادة الإنسان لا تستطيع مطلقاً خلق أجواء ربيعية أو أشجار مورقة نديّة ، ولكنه في الجنّة ما أن يطلب شيئاً حتّى يتحقق له بإذن اللَّه ، وهذا الامتياز مثير للعجب « 1 » . وقد طرح بعض المفسرين ، الذين يصرّون على قضية رؤية اللَّه تعالى ، هذه المسألة هنا وقالوا : إنّها تتضمن المشاهدة أيضاً ، فمن ذا الذي لا يطلب ولا يبغي رؤية اللَّه جل وعلا ؟ ! « 2 » لكن خطأهم الفاحش يكمن في عدم رغبتهم للاذعان لهذه الحقيقة وهي أنّ مشاهدة اللَّه حسيّاً أمر غير ممكن ، وذلك لأنّ الاتصاف بالجسمية والمكانية والأينية لا تعدو أن تكون من الصفات الخاصة بالمخلوقات وهو أمر مستحيل بشأن ذاته المقدّسة ، وأهل الجنّة لا يطلبون المحال ، أمّا المشاهدة القلبية والباطنية فهي متيّسرة في هذا العالم وكذلك في العالم الآخر . وفي نفس هذا السياق ورد في قوله تعالى : « لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ » . ( ق / 35 ) ويدلّ هذا التعبير على توفير كل ما تتسع له جملة « لهم ما يشاءُون » وكل ما تشتمل عليه إرادتهم إضافة إلى توفير جميع النعم والعطايا التي لم تخطر على بال أي إنسان ، ويشملهم بلطفه الذي يستعصي على البيان وصفه . ويُسْتدل من بعض الروايات أنّ جملة : « ولدينا مزيد » هي إشارة إلى أيّام الجمعة التي يحظى فيها أهل الجنّة بكرامات وعنايات خاصة من قبل الباري جلّ وعلا ، وهو أكثر لديهم
--> ( 1 ) . مقتبس من تفسير الميزان ، ج 17 ، ص 260 . ( 2 ) . تفسير الكبير ، ج 26 ، ص 280 .